المقريزي

327

إمتاع الأسماع

أحبس ، فرأيت أبا موسى الأشعري ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة [ يتقاولون ] ( 1 ) ، وحذيفة يقول لعبد الله بن مسعود : أعطهم ، وعبد الله يقول : والله لا أدفعه إليهم ، قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة وأدفعه إليهم ؟ والله لا أدفعه إليهم . فالامتناع الذي كان منه للحذر الذي حاذره من أن يحمل مصحفه على مصحف عثمان ، أجيب عن هذا بأن عثمان جمع المصاحف وطالب عبد الله بمصحفه بعد حصول مصحف المسلمين الذي اجتمعت على صحته الصحابة كلهم ، بعد تصحيح أبي بكر وعمر إشفاقا من أن يكون في بعضها منسوخ لم يقف صاحب المصحف [ عليه ] ( 1 ) لوقوفه هو وسائل المسلمين على ما يلحقه ويدخل عليه . وكان امتناع عبد الله من دفع مصحفه إشفاقا على تغيير يدخله ، يخالف ما [ قد ] ( 1 ) رواه وأتقنه ، وكان هذا الذي حاذره زائلا ساقطا مأمونا منه ، فبعد ذلك حين وقف على إتقان المصحفين ، واجتماع الروايتين ، قرأ وأقرأ بمثل قراءة المسلمين ، على أنه قد كان [ آخر ] ( 1 ) من تولى زيد بن ثابت جمع المصحف وقال : أنا أحق بهذه المنزلة لتقدمي في القراءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذي عنه ، وزيد في صلب أبيه . ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان ، على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن ، وعبد الله بن مسعود أفضل من زيد ، وأقدم في الإسلام وأكثر سوابق ، وأعظم فضائل ، إلا لأن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله ، إذ وعاه كله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ، والذي حفظه منه عبد الله في حياة رسول الله نيف وسبعون سورة ، ثم تعلم الباقي بعد وفاة الرسول ، فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ، أولى بجمع المصحف ، وأحق بالإيثار والاختيار ، ولا ينبغي أن يظن بأن هذا طعنا على عبد الله بن مسعود ، لأن زيدا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبا تقدمته عليه ، لأن أبا بكر وعمر كان زيد أحفظ [ منهما ] ( 1 ) للقرآن ، وليس هو خير [ منهما ] ( 1 ) ، ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب ، فحسن اختيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أسندوا إليه جمع القرآن واضح ، والذي لحق عبد الله ابن مسعود من الغضب ، وما أبداه من الإنكار غير معول عليه ، ولا مأخوذ

--> ( 1 ) زيادة للسياق والبيان .